الجمعة، 21 مايو، 2010

,وليد توفيق ... طير صغير

وليد توفيق ... طير صغير

تحليق

المهندس خالد بطراوي

فلسطين

على ايقاع منتظم متسارع متراكم ( كما بيت الشعر مكر مفر مقبل مدبر معا) يبدأ الفنان وليد توفيق في ترديد كلمات نزار فرنسيس أغنيته التي لحنها هو لنفسه ومن اخراج كريم كبارة بالقول " بعرف كان في طير صغير من شجرة لشجرة بطير ربيان بحضن الوادي" وهو بذلك يصور الحب الذي كان يجمعه بالحبيبة على أنه طير كان يحلق عاليا ويطير من هذه الشجرة الى تلك ويحيا في أحضان الوادي الواسع الرحب الملىء بالماء والخضار والطبيعة الخلابة.

لكن هذا الطير ( الحب) قد تأثر بمرور مجموعة من الصيادين الذين قاموا بسحب " أقسام أسلحتهم" فأحدثوا قرقعة السلاح البغيضة المعروفة ( مرقوا الصيادة بكير صرّخ صوت سلاح كتير) وكانت النتيجة أن جرى قتل هذا الطير ( الحب) " وتخردم طير الشادي"، بمعنى أن هذا الطير الذي كان يشدو أنشودة الصباح الباكر سرعان من خرّ صريعا برصاص مجموعة من الصيادين، وبالسياق فان الحب الذي كان يجمع وليد توفيق مع محبوبته قد قتل أثناء تحليقه من قبل مجموعة من الحاسدين والدساسين والرغايين وغيرهم ممن لا همّ لهم الا "التنغيص" على الآخرين في هذه الدنيا.

أما الفيديو كليب حتى هذه اللحظة فهو يصور وليد توفيق وهو يسير بين أحضان الطبيعة ويمر من أمام مجموعة من الناس التي تجلس هنا وهناك في آمان وطمأنينة، الى أن نصل الى بيت المحبوبة التي تجلس متألمة هي أيضا لفقدان هذا الحب.

ثم يتابع وليد توفيق بالقول " وقلبي مثلك يا عصفور من ولفي جنحه مكسور" أي أنه أيضا مجروح من موقف الحبيبة المتساوق مع دسائس الناس، لأننا نعيش " في عالم بالحب طيور وعالم مثل الصيادة" وفي أثناء ذلك وببراعة شديدة يظهر المخرج انتظار الحبيبة لخبر من الحبيب اذ يمر ساعي البريد الذي يشير برأسه أنه لا يحمل أية رسالة فتعود الحبيبة لتجلس مكانها حزينة. وفي هذا معلومات متناقضة لنا فكيف يصفها وليد توفيق بأنها تساوقت مع الصيادين " وقلبي مثلك يا عصفور من ولفي جنحه مسكور" وفي ذات الوقت يظهر الفيديو أنها قلقة أيما قلق وأنها تتوق لسماع حتى ولو كلمة واحدة، اللهم الا اذا أدركت خطائها ولكن جاء هذا الادراك متأخرا. وفي ذات الوقت لماذا علينا دوما أن نلقي بالملامة على الانثى في معادلات الحب والعلاقات؟

ثم يتابع وليد توفيق أغنيتة في لقطة فيديو كليب لشاب يصطاد سمكة لا ينجح المخرج في أظهار عملية الصيد حقيقية فالسمكة خرجت من البحيرة ميته " ما بتلعبط" ثم ينتقل الى مشهد حفل شواء في العراء، وفي ذلك كله تناقض فطالما أنك تهاجم من يصطاد الطير فكيف لك أن تشرّع من يصطاد السمك؟ ويتابع وليد توفيق أغنيته " بعرف عم تبكي يا طير من هالدنيا قل الخير، فلوا نواطير الغابة" وهو بذلك يتحدث عن غياب أولئك الناس من بين البشر الذين يحرصون دوما على رعاية مصالح الآخرين، وفي ذلك تعميم خاطىء، فما زالت بذرة الخير موجودة على هذه الأرض وكما قال الشاعر محمود درويش " على هذه الأرض ما يستحق الحياة".

ويتابع وليد توفيق أغنيته بالقول مخاطبا الطير " نفس الحالة أنا واياك ناطر وحدك ع الشباك ناطر وحدي ع بوابي" والسؤال هنا ماذا ينطر الطائر على الشباك، هل ينتظر الصياد الذي يصطاده أم ينتظر الانطلاق الى الفضاء الواسع بعد أن تفتح النافذة؟ وفي الجانب الآخر ما وجه الشبة بين انتظار هذا الطير وبين انتظار وليد توفيق على الباب، فوليد توفيق بلا شك لا ينتظر عند الباب أن يخرج لأن ذلك فعل لا يحتاج الى انتظار، لكنه ينتظر عودة المحبوبة، فكيف يكون هناك تشابها بين انتظار فتح الشباك للطير كي ينطلق وانتظار عودة المحبوبة الى الداخل، فالانطلاق الى الخارج لا يشابهه دخول الى الداخل. في الجانب الآخر طالما ان وليد توفيق متألم أيضا كما هي المحبوبة لماذا لا يأبه لما فعله الصيادون ولكلام الناس وينطلق نحو المحبوبة؟ لماذا يجب عاليها أن تحضر اليه وتجثو عند قدميه، لماذا لا يلقاها على الاقل في منتصف المسافة ما بينهما؟

ويصل وليد توفيق في أغنيته مجددا الى تعميم خاطىء بالقول " بعرف عم تبكي يا طير من هالدنيا قلّ الخير فلّوا نواطير الغابة" فيما يظهر الفيديو كليب تناقضا جديدا بوجود العصفور محبوسا في قفص، فهل هذا حقيقة ما يريده العصفور، هل يفضل أن يحشر في قفص كخيار مقابل أن يحلق في الغابة حتى ولو تلقى رصاصة صياد ماهر؟ وبذلك يذكرني بقصيدة " طعم الحرية" للشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي التي يلتقي فيها عصفوران أحدهما طليق والاخر في قفص ويجري بينهما حوار على النحو التالي:-


تلاقى بروض بلبلان فواحد له قفص قد نيط بالفنن الاعلى
له حوله ما يشتهي من فواكه وحب وعيش يجمع الري والاكلا
وثان طليق باحث عن غذائه اذا لم يجده يغتذي الشمس والظلا
فناداه ذو العيش الرغيد الا ابتدر الى قفص اشركك في عيشتي المثلى
ألام طواف مزمن وتشرد ولما تذق أمنا نهارا ولا ليلا؟
وأرقد ملء العين لم اخش صائدا ولا اختشي نسرا ولا أتقي نصلا
اقضي نهاري بين الرقص والغنا كأن الغنا والرقص لي اصبحا شغلا
هلم لحلو العيش , قال رفيقه صدقت , لكن طعم حريتي احلى

وينتهي الفيدو كليب على مشهد لوليد توفيق وهو يخرج من باب منزله ليصل الى سيارة الحبية التي تبين أنها طليقته ويفتح باب السيارة ليحتضن الطفل الذي هو ثمرة الحب ما بينهما فيما تواصل المطلقة قيادتها مبتعده عنهما، بينما ملامح الحسرة والألم بادية على كليهما لأن طلاقهما – على ما يبدو - هو طلاق بائن بينونة كبرى.

فطالما أنكما متألمان لذلك كله فلماذا الاستمرار في هذه المعاناة لكما ولطفلكما، ومع ذلك يواصل وليد توفيق ترديد أغنيته " بعرف كان في طير صغير من شجرة لشجرة بطير ربيان بحضن الوادي".

وبالمحصلة العامة رغم جمالية اللحن والايقاع، وروعة الاداء واتقان الاخراج، الا أن الرسائل التي وصلتني كستمع متناقضة للغاية، أولها أنه لا يجوز التشبيه بين احتجاز الطير في قفص والعودة الى قفص الزوجية على أنهما حالة واحدة، فاحتجاز العصفور في قفص لا يشعر به تماما الا من قبع في الزنازين والسجون وأقبية التحقيق لذلك أشك أن سجينا سابقا باستطاعته أن يحبس عصفورا في قفص، والعودة الى عش الزوجية اذا كانت هذه العودة بقناعة وتفاهم ليست عودة الى قفص واحتجاز. وثانيا لا يصح التعميم والانطلاق من تجربة خاصة الى التعميم بأنه لم يعد في هذا الكون من يحرس القضية، اذا علينا كما يقول محمود درويش " أن نحرس وردة الشهداء وأن نحيا كما نحن نشاء". وثالثا علينا أن لا نحيل باللائمة دوما على المرأة واتهامها بأنها هي المحرك الاساسي لحالات الفرقة والطلاق وأن الذكر هو منزّه عن الأخطاء.

وختاما قد تتفقوا معي وقد تختلفوا ويا حبذا لو تكتبوا معلقين على ما كتبت ولكن بعد أن تستعموا الى الأغنية على الرابط التالي :-

http://www.youtube.com/watch?v=j_dku0phexk

هناك تعليق واحد:

nihaya abu rayyan يقول...

يا سيدي هذه المرة لربما تحليقاتك هذه المرة فاتتها بعض الامور، فلا بد من الاشارة اذا دققت النظر يا سيدي في بداية الفيديو كليب وقبل ان يبدأ وليد توفيق بكلمات الاغنة ان المخرج في شاشة تلفاز القهوة قد اظهر احداث 11 سبتمبر ولربما هذه اشارة الى ان الطائر قد تحول الى طائرة جلبت النكبات للامم، كما ان هنالك ابراز لكشرة المارة الذين مر عنهم وليد توفيق وهذا ايضا مؤشر الى ان الكشرة في مجتمعاتنا يا سيدي لها تاريخ عريق ومتوالي لا يأخذ النفس الا بابتسامة لا تلبث الا ان تنطفئ، كما ان رؤيتي تختلف مع رؤيتك للعصفور الطير الشادي الذي تخرسن فقد اشار المخرج الى وجود اكثر من عصفور يتمثل في العصفور الذي في القفص الذي هو اسير لدى المحبوبة التي تستمتع بمداعبته ويؤنسها النظر اليه، العصفور الاخر هو المحبوبة، والثالث هو وليد توفيق، والعصفور الاساسي في هذه السماء هو الطفل الذي يظهر في نهاية الفيديو كليب الذي هو ايضا تخرسن نتيجة انفصال والديه، اما الخرسنة الثانية هي خرسنة الامال التي انتكبت بحدوث هجمات 11 ايلول التي يعلم الجميع جيدا التحولات التي احدثتها على صعيد حريات الامم اجمع وما نجم عنها من حروب و ويلات لونت فيه العالم بقلة الخير اما خير البشرية فباعتقادي لا يزال موجود وعلى رأي إمي "ان خليت بليت"، والخرسنة الاخيرة يا سيدي هو ان المحبوبة والتي هي ليست طليقة وليد توفيق وانما فتاة تهواه من خلف الشباك وكانت تحسب انه يغني لها ولكنها اكتشفت انه يغني لطفله وليس لها فضمت جناحها وانكسرت هي الاخرى لانها لا مجال لها في فضاء المحبوب "وليد توفيق" الذي يعاني لفراق زوجته التي ما ان اعطته الطفل اسرعت وتركته رائها دون ان تلتفت اليه، وهنا الاشارة ليست لجود اية تنازلات بين الرجل والمرأة من اجل حبهما فلو كانا عشاقا فعلا لنسوا انهم اثنين تذكروا انهم واحد متوحد بعيدا عن التمييزات الجندرية التي لا قيمة لها ولفكروا بحياة طفلها ايضا الذي لا ذنب له سواء انه نتيجة قرار اتخذه والديه سواء بانجابه او بانفصالهما عن بعضهما وعنه ومطلوب منه ان يتحمل تبعات هذه القرارات التي لم يتخذها او حتى يستشار فيها. وعلاوة على كل ما اوردت من تعقيبي الا انني اتفق معك كل الاتفاق ان على هذه الارض ما يستحق الحياة وان الحب حتى الحب لا تليق به كلمة الاسر او اسير الحب بل هو عنان الحريات جميعها في هذه العلاقات المقدسة من الحب بين البشرية بغض النظر عن تلون صلاتها واختلافها فهي علاقات اسمى من الاسر والحب هو الحرية بحد ذاتها والانطلاقة التي لا تعادلها انطلاقة في الوجود.
قد اكون اطلت عليك، ولكني جدت لزاما لقول ما قلت فانت حملتني لأن احلق معك في سماء هذه الكلمات الاحاسيس التي تكتنف هذه الاغنية.. لذا عدنا بالمزيد من تحليقاتك ونهاياتك ورؤياك يا سيدي لاننا كلنا طير صغير نغرد للحرية اطفالا وشيبة وشبانا ولا نعرف من الصياد او الصيد يا استاذ خالد!